نورالدين علي بن أحمد السمهودي

221

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

سائمته ، وما أراد قربه منها ؛ فيرى أن قوله صلى اللّه عليه وسلم والله أعلم « لا حمى إلا لله ولرسوله » لا حمى على هذا المعنى الخاص ، ورسول الله صلى اللّه عليه وسلم إنما كان يحمى إن شاء لمصالح عامة المسلمين ، لا لما حمى له غيره من خاصة نفسه ، وذلك أنه لم يملك إلا ما لا غنى به وبعياله عنه ، وصير ما ملكه الله من خمس الخمس مردودا في مصلحتهم ، وماله ونفسه كان مفرغا في طاعة الله . حمى أبي بكر وعمر قال : وقد حمى بعده عمر رضي الله تعالى عنه أرضا لم يعلم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حماها ، وقال غيره : حمى أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، وحمى عمر الشرف ، قيل : والربذة ، وقيل : حماها أبو بكر ، وقيل : النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولعله حمى بعضها ثم زاد كل منهما بعده فيها شيئا . وسيأتي عن الهجري أن عمر أول ما أحمى بضرية ، وأن عثمان زاد فيه . وما حماه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لا يجوز تغييره بحال ، بل ينسحب عليه حكم الحمى وإن زالت معالمه على الأصح ، بخلاف حمى سائر الأئمة ، قال الشافعي : ويكره أن يقطع الشجر بالمدينة ، وكذا بوجّ من الطائف ، وكذا بكل موضع حماه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، والموضع الذي حماه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لا شك فيه بالنقيع ، وأما الصيد فلا يكره فيه ، انتهى . والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم . وروى ابن عبد البر أن عمر رضي الله تعالى عنه بلغه عن يعلي بن أمية ويقال : أمينة ، وكان عاملا على اليمن أنه حمى لنفسه فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة ، فمشى أياما إلى صعدة ، فبلغه موت عمر ، فركب . وروى الشافعي وغيره أن عمر استعمل مولاه هنيا على الحمى ، فقال له : يا هني ضم جناحك للناس ، واتّق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة ، وأدخل رب الصريمة والغنيمة ، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف ، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع ، وإن رب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول : يا أمير المؤمنين ، يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك ؟ فالماء والكلأ أهون عليّ من الدنانير والدراهم ، ألا وأيم الله لعليّ ذلك ، إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام ، ولولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرا . قال الشافعي : وإنما نسب الحمى إلى المال الذي يحمل عليه في سبيل الله لأنه كان أكثر ما عنده مما يحتاج إلى الحمى . وعن مولى لعثمان بن عفان أنه كان معه في ماله بالعالية في يوم صائف ، إذ رأى رجلا يسوق بكرين ، وعلى الأرض مثل الفراش من الحر ، فقال : ما على هذا لو أقام بالمدينة حتى يبرد ثم يروح ، انظروا من هذا ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقلت : هذا أمير المؤمنين ،